أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

145

نثر الدر في المحاضرات

مع أنّ امرأ لم يكن منها في حبرة إلا أعقبته بعدها عبرة . ولم يلق من سرّائها بطنا إلّا منحته من ضرّائها ظهرا ، ولم تظله غيمة رخاء إلّا هطلت عليه مزنة بلاء ، وحريّة إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له خاذلة متنكّرة ، وإن جانب منها اعذوذب واحلولى أمرّ عليه منها جانب وأوبى . وإن آتت امرأ من غضارتها ورقا أرهقته من نوائبها تعبا ، ولم يمس منها امرؤ في جناح أمن إلّا أصبح منها على قوادم خوف ، غرّارة ، غرور ما فيها ، فانية فان من عليها . لا خير في شيء من زادها إلّا التّقوى . من أقلّ منها استكثر مما يؤمّنه ، ومن استكثر منها استكثر ممّا يوبقه . ويطيل حزنه ، ويبكي عينه ، كم واثق بها فجعته ، وذي طمأنينة إليها قد صرعته ، وذي احتيال فيها قد خدعته ، وكم ذي أبّهة فيها قد صيّرته حقيرا ، وذي نخوة قد ردّته ذليلا ، ومن ذي تاج قد كبّته لليدين ، وللفم . سلطانها دول ، وعيشها رنق ، وعذبها أجاج ، وحلوها صبر ، وغذاؤها سمام ، وأسبابها رمام ، وقطافها سلع حيّها بعرض موت ، صحيحها بعرض سقم ، منيعها بعرض اهتضام ، مليكها مسلوب ، وعزيزها مغلوب ، وسليمها منكوب ، وجارها محروب ، مع أنّ وراء ذلك سكرات الموت ، وهول المطّلع ، والوقوف بين يدي الحكم العدل لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [ النجم : 31 ] . ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعمارا ، وأوضح منكم آثارا ، وأعدّ عديدا ، وأكثف جنودا ، وأشدّ عنودا . تعبّدوا للدنيا أيّ تعبّد ، وآثروها أي إيثار ، وظعنوا عنها بالكره والصّغار فهل بلغكم أنّ الدنيا سمحت لهم نفسا بفدية ، أو أغنت عنهم فيما قد أهلكتهم بخطب ؟ بل قد أرهقتهم بالفوادح ، وضعضعتهم بالنوائب ، وعقرتهم بالفجائع ، وقد رأيتم تنكّرها لمن دان لها وآثرها وأخلد إليها ، حين ظعنوا عنها لفراق الأبد إلى آخر المسند . هل زوّدتهم إلا السّغب ، وأحلّتهم إلا الضّنك ، أو نوّرت لهم إلّا الظلمة أو